سوريون محتارون بين ناري المراكز الخاصة والمشافي التركية

أثارت تحركات الحكومة التركية، منذ مطلع آذار 2019، لإغلاق المراكز الطبية السورية المخالفة في اسطنبول قلقًا لدى اللاجئين السوريين، سواء كانوا مراجعين أو أطباء أو كوادر إدارية، لما لهذا القرار من نتائج ستؤثر على حياة السوريين.

رصدت عنب بلدي في شهر آذار الماضي إغلاق مجمعي عيادات، تبعه إغلاق عدة مراكز أخرى لعدم حصولها على تصاريح عمل، وعدم تعديل كوادرها للشهادات الطبية التي يملكونها حسب المواصفات الطبية التركية.

وهذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها الحكومة التركية بإغلاق مراكز طبية سورية، إذا أغلقت في نهايات عام 2014 عدة مراكز لعدم مطابقتها للمعايير الطبية.

لا تتوفر أرقام دقيقة لعدد المراكز الطبية المنتشرة في أنحاء اسطنبول بقسميها الأوروبي والآسيوي، بينما رصدت عنب بلدي وجود ما لا يقل عن 20 مركزًا طبيًا موزعة في المناطق التي تشهد وجودًا سوريًا كثيفًا، كمناطق الفاتح وإسنيورت وأرناؤوط كوي.

مستفيدون يخسرون الخدمات

إغلاق هذه المراكز سيؤثر سلبًا على المرضى والأطباء على حد سواء، فآلاف السوريين في اسطنبول لا يملكون بطاقة الحماية المؤقتة (كيملك)، التي تؤهلهم للحصول على الخدمات الطبية المجانية من المستشفيات الطبية التركية الحكومية، كما تحصر هذه الخدمات للذين يملكون البطاقة بالولاية التي صدرت منها، فالبطاقة الصادرة من مرسين مثلًا لا يمكن لحاملها الاستفادة من الخدمات في اسطنبول أو بقية الولايات.

وقال الطبيب محمد خبي، وهو مدير مركز “علماء الشام” في اسطنبول، لعنب بلدي، إن إغلاق هذه المراكز بشكل غير مدروس سيؤثر سلبًا ويؤدي إلى أزمة كبيرة للمرضى، معتبرًا أنه من الأفضل وجود انتقال تدريجي تدرس المراكز خلاله خياراتها وإمكانياتها، ويحصل دمج بين الأطباء السوريين والأتراك، فيكون الترخيص على اسم أطباء أتراك ويعمل الطبيب السوري في المركز.

وأوضح أن إغلاق المراكز سيؤدي إلى معاناة كبيرة في قطاع الخدمة الصحية، وخاصة مع عدم تمكن العديد من السوريين من استصدار بطاقة الحماية، ما يعني حرمانهم من الخدمات الطبية التي يحتاجونها، والمشقة في تحمل تكاليف المستشفيات الخاصة، بالإضافة إلى البطالة التي سيعاني منها الأطباء السوريون الذين لا يملكون فرص عمل في مكان آخر، وكذلك الأمر بالنسبة للطاقم الإداري أيضًا.

لماذا لا تمنح تركيا رخصة لهذه المراكز؟

حاولت العديد من المراكز الصحية السورية الحصول على تراخيص قانونية للعمل في اسطنبول، إلا أن طلباتها جوبهت بالرفض، لعدم مطابقتها للمواصفات الطبية التركية، وهنا يشير الطبيب محمد خبي إلى أن القطاع الصحي في أي دولة في العالم يعتبر قطاعًا يخص الأمن القومي، وإعطاء التراخيص صعب للغاية ويخضع لقوانين تتميز بتشديد عالٍ وتحتاج لمطابقة مواصفات علمية وتدقيق للشهادات الطبية، ومن يستطيع مطابقة الشروط سيمنح الترخيص.

وأشار إلى أنه حاول الحصول على استثناء من الحكومة التركية لعدة مرات دون نتيجة، مؤكدًا أن هذه المراكز مستمرة بشكل غير قانوني ومعرضة للإغلاق في أي وقت.

وقال خبي، “نتمنى لو يحصل الأطباء السوريون ممن فضلوا البقاء في تركيا وخدمة أولاد بلدهم على تعديل لشهاداتهم بعيدًا عن الأصول المتبعة لصعوبتها الشديدة، خاصةً أن موضوع تعديل الشهادة يعني إعادة دراسة الطب العام وباللغة التركية، وهذا الأمر بالنسبة للأطباء ممن تجاوزت أعمارهم 50 عامًا مستحيل تمامًا، أما إن تم تعديل الشهادات وسمح للأطباء السوريين بالعمل بشكل قانوني، فيمكننا إنشاء مراكز أفضل، تسهم بالسياحة العلاجية في تركيا وتستقطب المرضى العرب أو السوريين المقيمين في الخارج، وبالتالي تعود الفائدة على الجميع”، على حد تعبيره.

وتعد المراكز الطبية السورية عيادات طبية تقدم خدماتها على مستوى ضيق، تشمل المعاينات ومنح الوصفات الطبية، وخياطة الجروح وإجراء عمليات جراحية بسيطة بتخدير موضعي، إلا أنها لا تستطيع تقديم خدمات أكبر من ذلك، كالمعاينات التي تحتاج إلى تنظير معدة أو قسطرة تشخيصية على سبيل المثال، ويتم تحويل هذه الحالات إلى مراكز طبية تركية متخصصة، باستثناء عيادات طب الأسنان التي تقدم ما يقارب 95% من الخدمات الطبية السنية.

مراكز صحة المهاجرين.. حل مؤقت

هذه المراكز هي سلسلة من العيادات الطبية الموزعة في مختلف المدن التركية، افتتحتها وزارة الصحة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية (WHO)، وهي مرتبطة بمديريات الصحة العامة في كل ولاية.

وقد تم تخطيط المشروع ليقدم الخدمات في الولايات التي يتجاوز عدد السوريين فيها 20 ألف نسمة ويعمل في هذا البرنامج أطباء وممرضون سوريون.

وهناك نوعان من المراكز، الأول يعمل كمستوصف، والثاني يطلق عليه مركز تقوية طبية.

المستوصف العادي يشرف عليه أطباء عامّون، يقدمون خدمات lلمعاينة الطبية، ومتابعة الحمل وإجراء التحاليل الطبية واللقاحات ومنح التقارير الطبية، أما مراكز التقوية فتحوي عيادات اختصاصية، منها عيادة الأطفال والعيادة النسائية.

للعلاج في المستوصف العادي لمراكز صحة المهاجرين يحتاج السوري لبطاقة “كيملك” من نفس الولاية التي يقيم فيها، أما مراكز التقوية فتقبل الحالات من دون “كيملك”، حسبما قال أحد مشرفي المشروع في اسطنبول لعنب بلدي.

أطباء دون شهادات علمية وأخطاء طبية

يشتكي بعض المراجعين السوريين من طريقة معاملة بعض الأطباء في المراكز الطبية، إضافةً إلى الأخطاء الطبية المتكررة، وتنتشر الأحاديث بين السوريين في اسطنبول عن ممارسة بعض الأطباء للمهنة دون حصولهم على شهادة علمية بالأساس.

إسراء، عملت سابقًا في أحد المستوصفات السورية المخصصة لطب الأسنان، قالت لعنب بلدي إن الأخطاء في المراكز الطبية كثيرة، وهناك غياب للرقابة، وضربت مثلًا عن قيام أحد الأطباء بخلع “ضرس” لأحد المرضى غير الضرس المتضرر، لتترك العمل بعد رؤيتها لهذه الممارسات.

أما هدى (ربة منزل) فتشتكي مما تصفه المعاملة السيئة مع المرضى، ابتداء من موظفي الاستقبال وانتهاء بالأطباء، الذين يجرون معاينة سريعة هدفها إدخال أكبر عدد من المرضى دون توخي الدقة.

ويرد الطبيب محمد خبي على هذه المعلومات والأخطاء بقوله، “إذا حصل هذا الأمر ببعض المستوصفات فهو بالتأكيد دون تعمد، لأن الإدارات كانت حريصة على اختيار الكادر الطبي بدقة كونه أساس العمل”.

وأكمل خبي بقوله، “ربما تقدم البعض للوظيفة ولم يحمل شهادة حقيقية أو ربما مزورة، لكن في مركزنا على سبيل المثال يتم التأكد من خلال الدائرة الضيقة للطبيب، من دفعته التي تخرج معها ومن زملائه وأين عمل سابقًا وفي أي عام تخرج، عبر طرق خاصة بالتواصل مع أشخاص موثوقين يستطيعون تزويدنا بالمعلومات”.

وأشار خبي إلى أن معظم هذه المشاكل تمت بشكل فردي وليست داخل المراكز، “كأن يلجأ البعض لافتتاح عيادة خاصة به، وكذلك الأمر بالنسبة للكثير من القابلات اللواتي ادعين أنهن طبيبات نسائية وكن يكشفن على المرضى في بيوتهن أو أنشأن عيادات خاصة”.

وعزا انتشار هذه الأخطاء في العيادات الخاصة أكثر من المراكز إلى وجود إدارات تحاول التأكد من شهادات الأطباء، لذا يثق المرضى بالمراكز على حساب العيادات الفردية.

لماذا يلجأ السوريون إلى المستوصفات السورية لا التركية؟

تفضل إسراء وهدى عدم الاستعانة بالمراكز الطبية التركية لأنهما لا تتقنان اللغة التركية، ما يسبب لهما بعض القلق في طريقة التواصل مع الموظفين والأطباء الأتراك، كما أنهما لا تستطيعان تحمل التكلفة العالية للمستشفيات التركية الخاصة بينما العلاج في المراكز السورية يتم بسعر رمزي.

ويقول الطبيب محمد خبي إن أهم عائق موجود لدى المراجعين السوريين هو اللغة، فالمريض السوري يذهب إلى مشفى أو مستوصف تركي، ليجد طاقم العمل تركيًا بشكل كامل، من موظف الاستقبال حتى الطبيب والممرضات والكادر الإداري، وهذا عكس المستوصفات السورية، التي توفر سهولة التواصل باللغة العربية، وحتى الطبيب نفسه يستطيع شرح سبب المشكلة الطبية والدواء الذي وصفه ومدة العلاج.

ورغم أن المشافي التركية الحكومية تقدم خدماتها مجانًا، إلا أن عائق اللغة فيها يجعل المريض مرتبكًا ويشعر أنه في محيط غريب عنه، ما يدفعه لطرح أسئلة كثيرة في نفسه عن مدى فهم الطبيب للحالة التي يعاني منها، وطريقة استخدام الدواء ومدة العلاج، ولذا يفضل السوريون المراكز السورية مع علمهم بأن المشافي التركية مجهزة بشكل أكبر وتمتلك أطباء بسوية عالية.