سوريون اسطنبول.. والبحث عن المصاري

يشكو العمال السوريون في اسطنبول، من طول ساعات العمل، وقلة مستوى الدخل.. يصفون مشغليهم من الأتراك بأنهم يحبون العمل كثيراً ويستعبدون من يعمل معهم.. لدرجة لا يقبلون منه أن يبتسم أو حتى أن يحك رأسه خلال ساعات العمل التي قد تصل إلى 12 ساعة يومياً.. وذلك بحسب وصف أحدهم..

موقع “اقتصاد” التقى عدداً من الشباب السوريين، الذين يقيمون في اسطنبول منذ فترات مختلفة، وحاولت أن تقترب من معاناتهم وظروفهم المعاشية، بالإضافة إلى أوضاعهم القانونية.

أشبه بالآلات..

يقول “أحمد” الذي قدم إلى اسطنبول منذ نحو تسعة أشهر مهجراً من ريف درعا، على إثر المصالحة مع النظام العام الماضي.. إنه يعمل في محل سيارات من الساعة الثامنة مساء وحتى السادسة صباحاً، ولا يحصل على عطلة سوى يوم واحد كل أسبوعين، بينما يتقاضى شهرياً مبلغاً أقل من 400 دولار.

ويعتبر “أحمد” هذا المبلغ كبير بالمقارنة مع شباب آخرين يعملون ساعات عمل أطول، بينما بالكاد يحصلون على راتب نحو 300 دولار شهرياً.

وعن قدرة هذه المبالغ على تغطية مصاريف الحياة المعاشية، يتابع “أحمد”، أنه يسكن في شقة على السطح مع خمسة شباب من مناطق مختلفة من سوريا، وجميعهم يعملون، ويدفع كل شخص شهرياً، ما يعادل 50 دولاراً، كآجار سكن وكهرباء وغاز مياه.. أما مصاريف الطعام، فهي تحتاج إلى أكثر من 50 دولاراً شهرياً، يضاف إليها مصاريف النقل والهاتف والانترنت، لافتاً إلى أن ما يتبقى له من راتبه شهرياً، لا يتعدى الـ 100 دولار، يرسلها إلى زوجته وطفليه في سوريا.

وأما عن مستقبل وجوده في اسطنبول، فيرى أنه لا يستطيع أن يجلب أسرته لكي تعيش معه بسبب ضعف دخله، وبنفس الوقت لا يستطيع أن يدخل إلى سوريا، لأنه مطلوب للنظام.. بينما يعتقد أن مشكلته لن يحلها سوى “رب العالمين”، بحسب قوله.. وأنه ينتظر فرجاً إلهياً كي يستطيع أن يلتقي بعائلته.

أما “عادل”، الشاب الحمصي، الذي يعيش في اسطنبول منذ نحو ثلاث سنوات، بعد أن فقد جميع أفراد أسرته في سوريا في قصف النظام، فيقول أنه يعيش عند أحد أقاربه، بسبب أن الدخل الذي يحصل عليه من عمله في أحد المطاعم لا يكفي لتغطية مصاريفه الشخصية، فهو يتقاضى نحو 250 دولار في الشهر، ويعمل لأكثر من عشر ساعات في اليوم.

ويضيف “عادل”، أنه بحث عن عمل طويلاً، ولم يجد سوى المطعم الذي يعمل به منذ سنتين، ويعتبر أن حظه عاثر كونه لم يستطع أن يكمل تعليمه، وبالتالي فرصه في الحياة باتت قليلة، ومحصورة في الأعمال الشاقة، بحسب وصفه.

أكل حقوق العمال

نادراً ما تجد عاملاً سورياً، يعمل عند تركي، إلا ويحدثك أنه يحصل على تعبه بشق الأنفس، والكثيرون يشيرون إلى أن الأتراك يتعاملون مع السوريين على أنهم بلا غطاء أو حماية ومستضعفين، وبالتالي يستقوون عليهم بأكل حقوقهم، على الرغم من ساعات العمل الطويلة والشاقة التي يؤدونها.

ويتحدث الكثير من السوريين، عن حب الأتراك للمال، وأنهم يحاسبون على القطع النقدية الصغيرة التي لا قيمة لها، مشيرين إلى أن ذلك يسبب لهم الضيق والضجر من هذه الظروف الصعبة التي وصلوا إليها.

وعلى جانب آخر، يتحدث سوريون آخرون، أن ميزة حب المال من قبل الأتراك وأكل حقوق العمال، هي ميزة خاصة باسطنبول، بينما في مناطق أخرى، فهي أحداث نادرة، ويعزون السبب إلى الطابع العلماني والأوروبي الذي تتميز به اسطنبول.

الأوضاع القانونية

يعيش في اسطنبول نحو 200 ألف سوري، لا يحملون صفة إقامات رسمية فيها، وبعضهم لم يستطع الحصول على الإقامة المؤقتة المسماة “كيملك”، وهو ما يزيد من تعرضهم لمخاطر الترحيل إما إلى سوريا أو في أحسن الحالات إلى المناطق الجنوبية من تركيا.

ويقول “علي” من ريف دمشق الذي وصل إلى اسطنبول منذ نحو العام، أن الإقامات المؤقتة في اسطنبول متوقفة، ولا يتم منحها للسوريين، لكن هناك مكاتب تستطيع إنجازها مقابل مبالغ كبيرة، قد تصل إلى 400 دولار، لافتاً إلى أن هذا المبلغ قد يستطيع الفرد لوحده أن يدفعه، ولكن عندما يتعلق الأمر بأسرة من خمسة أشخاص، فإنه مبلغ كبير جداً.

بدوره يتحدث “كمال”، عن حالات نصب يقوم بها السوريون على بعضهم البعض، فيما يتعلق بموضوع الأوراق، إذ أن هناك عدداً كبيراً من المكاتب التي تعود ملكيتها لسوريين، تدعي أنها تنجز الأوراق القانونية للسوريين، من زواج وطلاق وتسجيل أولاد وغيرها، ويتقاضون مبالغ كبيرة مقابل هذه الخدمات، وغالباً، ما تكون الأوراق مزورة، بحسب قول “كمال”.. وهو واقع يشكو منه أغلب السوريين في اسطنبول من أن عمليات النصب والاحتيال، أصبحت معروفة، ويقع بها الكثيرون، ممن يريدون التعلق ولو بقشة.

سوريو اسطنبول.. نظرة عامة

يعيش في اسطنبول بحسب احصائيات رسمية تركية، أكثر من 700 ألف سوري، يتوزعون على مختلف المناطق في اسطنبول، لكن أغلبهم يفضل الإقامة و السكن، في وسط المدينة، في أحياء، كالفاتح وأسنيور، وهم ينقسمون إلى طبقتين حادتين، أبناء المدن الكبرى، أصحاب الأعمال سابقاً في سوريا، حيث أن هؤلاء قاموا بجلب أموالهم وتجارتهم إلى اسطنبول واستثمروا فيها في نفس الأعمال التي كانوا يمارسونها في سوريا، في تجارة البناء أو المطاعم أو في الصناعة.. وتقدر نسبة هؤلاء بأقل من 5 بالمئة من السوريين المتواجدين في اسطنبول.

وتعتاش هذه الطبقة في أغلبها على باقي السوريين، الذي يعملون في مهن متعددة، وبرواتب محدودة، حتى بمن فيهم من يحملون شهادات جامعية، إذ أن فرص العمل، هي أكثر توفراً للأطباء والمهندسين، ومن يحملون شهادات جامعية باللغات.. لكن تبقى الشكوى العامة هي من سوء مستوى الدخل.

كيف يعيشون..؟

تعتبر اسطنبول مدينة غالية بالمقارنة مع باقي المدن التركية، بسبب موقعها الذي يستقطب سنوياً أكثر من 30 مليون سائح من كافة دول العالم.. وتحتاج الأسرة، لكي تستطيع الإقامة فيها، مبلغ أكثر من 1000 دولار شهرياً، متضمنة أجور السكن والخدمات والمعيشة.. ويرى “غسان”، أن السوريين يرغبون بالقدوم إلى اسطنبول رغم ارتفاع الأسعار فيها، بسبب توفر فرص العمل، لافتاً إلى أنه وعلى الرغم من ضعف الرواتب، إلا أن السوريين يستطيعون أن يتدبروا أمرهم، وهم كونهم يحبون العمل، ولا يتكبرون عليه مهما كان، فإن ذلك ساعد الكثيرين على تطوير أنفسهم، وجعل الأتراك يثقون بمهاراتهم ويزيدون من مستوى دخلهم.

ويضيف “غسان” المقيم في اسطنبول منذ أكثر من ست سنوات، أن باقي المدن التركية، قلما يستطيع السوري الحصول فيها على فرصة عمل براتب مقبول، مشيراً إلى أنه في العموم، الأوضاع في تركيا، هي أفضل من كل الدول التي لجأ إليها السوريون، إذ أنك لا تجد أحداً هنا يسكن في الشارع، أو يعاني من ظروف معاشية مستحيلة، وذلك بسبب التكاتف وعمل الجمعيات الخيرية والإنسانية، والتي تقدم ولو جزءاً بسيطاً من حاجات الأسرة المعاشية.

مصدر اقتصاد