حملة “ترحيل” للسوريين من تركيا تبعد 300 لاجئ خلال شهر

الهجمات التي شنها سكان حي اكيتيلي في إسطنبول، على محلات السوريين، تبين أنها مبنية على إشاعة حسب البيان الرسمي للمديرية العامة للأمن في اسطنبول، والتي أعلنت ان الحادثة التي وقعت بين الفتى السوري والفتاة التركية وكلاهما في عمر 12 سنة، كانت لفظية ولم تتضمن أي اعتداء جنسي كما أشيع.
ولكن حتى قبل هذه الحادثة الأخيرة ، كانت السلطات التركية قد شنت خلال الأسابيع الماضية حملة ترحيل كبيرة طالت عشرات السوريين المتواجدين في الولايات التركية لأسباب شتى، بررتها السلطات عبر وسائل إعلامها بأنها كانت ضد من سمتهم (المخالفين) من السوريين في تركيا.

ووفقاً لوسائل إعلام تركية، فإن الحملة طالت ولايات (إسطنبول وأنقرة وإزمير وغازي عنتاب وكهرمان مرعش ومرسين وهاتاي وشانلي أورفة وكلس وديار بكر ومرعش) ومناطق أخرى في الشمال الشرقي من تركيا.

تحذير رسمي

على أحد الحواجز المنتشرة في مدينة أنطاكيا التركية، قال أحد عناصر الشرطة في حديث لـ»القدس العربي»، إن «أوامر (عليا) عُمِّمت على أجهزة الأمن كافة تقضي باتخاذ إجراء الترحيل لأي سوري يرتكب أية مخالفة مهما كانت بسيطة إلى بلاده، على أن يتم تدقيق وضعه الأمني في حال كان هناك حكم قضائي بحقه»، مشيراً إلى أن عمليات الترحيل تتم عبر مديرية الهجرة في هاتاي.
ويضيف: «أبرز الأسباب التي تعرض الشخص للترحيل هي ارتكاب مخالفة لأحد القوانين المفروضة في تركيا كـ(شروط التواجد على الأراضي التركية أو الإقامة وما يتبعها من استخراج إقامات سياحية أو عمل أو وثيقة «الكملك» الممنوحة للاجئين السوريين، إضافة لارتكاب جرم ما (لا يمس بأمن البلاد)، أما في حال كان الجرم يمس بأمن البلاد أو يشكل خطراً عليها فيتعرض الشخص في هذه الحالة للسجن قبل أن يتم ترحيله وتكون مدة السجن حسب ما يفرضه قانون العقوبات التركي».

بلا أسباب

يقول محمود الحسين وهو سوري تم ترحيله مؤخراً من تركيا إلى إدلب في حديث لـ»القدس العربي»، إن «تناقض القرارات الصادرة عن مديرية الهجرة التركية هو السبب الغالب لترحيل السوريين من الأراضي التركية، فمثلاً «أنا قدمت إلى ولاية هاتاي قبل عامين ومن حينها لم تتح الولاية فرصة لـ(البصم) على (الكملك)، في وقت تلاحق دوريات الأمن المنتشرة في الشوارع كل من لا يملك كملك، وهو ما دفعني للجوء إلى السماسرة من أجل الحصول على الكملك مقابل مبلغ مالي وكانت النهاية أن الكملك تبين انه مزور وتم اعتقالي على الحاجز وجرى ترحيلي بتهمة تزوير البيانات الشخصية ولاذ السمسار بالفرار وتابع عمله في ولاية أخرى».
فيما تحدث عبد الرحمن عجم عن الطريقة التي يتم ترحيل السوريين بها، حيث قال في حديث لـ»القدس العربي»: «لا يوجد ترحيل بمعناه الحرفي من تركيا ويتوجب على السلطات الحصول على توقيع اللاجئ ضمن استمارة تسمى «العودة الطوعية»، وبعد القبض علينا يتم نقلنا إلى أمنيات نارليجا القريبة من أنطاكيا وهناك يتم إجبارنا على التوقيع على استمارة ، نقر من خلالها بأننا اخترنا العودة طواعية إلى بلادنا ومن كان يرفض يتم إجباره حتى لو وصل الأمر لضربه من قبل عناصر الأمن».

أسباب حظره

ومنذ عام 2014 قررت السلطات التركية تسجيل اللاجئين السوريين لديها وفق نظام حددته إدارة الهجرة، وكان الهدف حينها هو تسجيل السوريين على أراضيها وإحصاء عددهم، إضافة لمعرفة معلومات عن كل شخص، مكان سكنه وتحركاته، وبالتالي يسهل اتخاذ أي إجراء بحقه لاحقاً في حال خالف القوانين أو حتى العثور على بصماته بعد أن تم (تبصيمه) خلال عملية منح الكملك وبالتالي تم ضبط الوضع بالكامل قبل أن تبدأ عملية جديدة أواسط 2016 أطلق عليها (تحديث البيانات) وهي عملية تم بموجبها استبدال هوية اللاجئ بواحدة أخرى ذات مزايا أكبر مع إلغاء تام للهوية القديمة التي تم منحها لأول مرة، حيث بقي منح الكملك جارياً حتى مطلع 2016 قبل أن يتم إيقاف المنح حتى إشعار آخر في العديد من الولايات التركية.
ووفقاً لمصادر حكومية فإن قرار وقف منح الهوية للسوريين جاء بأوامر من ولاة الولايات التركية، والسبب أن تركيا لم يعد بإمكانها استيعاب المزيد من السوريين على أراضيها بعد أن كشفت إحصائيات عن أن أعداد السوريين في تركيا بلغ نحو 3.5 مليون سوري موزعين في ولايات رئيسية منها (هاتاي – غازي عنتاب – شانلي أورفة – كهرمان مرعش – مرسين – أنقرة – إسطنبول – كلس)، إضافة إلى أن الأوضاع الأمنية في البلاد وخاصة في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت منتصف تموز/يوليو 2016 زادت الأمور تعقيداً، إضافة لوقوع العديد من الأحداث الأخرى منها تفجير اسطنبول ومقتل السفير الروسي في تركيا وغيرها من الأحداث الأخرى كلها ساهمت في تضييق الخناق أكثر فأكثر على السوريين.

مواقف لأتراك

يقول التركي يوسف كراداغلي في حديث لـ»القدس العربي»، إن «الحكومة التركية تواجه ضغطاً كبيراً بسبب وجود السوريين ونحن نعلم ذلك، ولكن بالنسبة لنا نعلم أن هناك بشراً مثلنا يموتون في كل يوم على يد الأسد في إدلب وغيرها والنجاة بالحياة هي أهم مطلب في هذه الدنيا، لا يمكن أن نقول للهاربين من الموت لا تفروا إلى بلد مسلم كبلدكم كما لا يمكننا في الوقت نفسه أن نقول لهم تعالوا جميعكم، فالمدن التركية في النهاية غصت بالسوريين وبالفعل لا يمكنها تحمل المزيد أما بالنسبة لمن تم تسجيله هنا، أعتقد لا يجب ترحيله إلا في حال خالف قوانيننا أو عاداتنا وتقاليدنا ولم يلتزم بما هو موجود في هذه الدولة».
أما متين زالتان فقد اعتبر أن إدخال السوريين إلى تركيا خطأ جسيم منذ البداية قائلاً: «الحكومة ارتكبت خطأ العمر بإدخال السوريين إلى أراضينا بهذا الشكل، تراكمت المشاكل الاجتماعية من فقر وبطالة وغيرها وبات شبابنا عاجزاً عن تأمين لقمة عيشه إضافة لزيادة المشكلات في الولايات التركية بسبب وجود السوريين سواء بينهم وبين الأتراك وحتى بينهم وبين بعضهم، نحنا بالكاد نسيطر على مقاليد الوضع بالنسبة للأتراك».
وعن وجود الأفغان والعراقيين وغيرهم قال: «هؤلاء تعرضت بلادهم للاحتلال الأجنبي بينما السوريون هربوا لأنهم حاربوا رئيس دولتهم وقتلوا إخوتهم ودمروا بلدهم وفي النهاية يتوجب على تركيا أن تفتح لهم أبوابها وليس هذا فقط وأن ترسل جنودها لتحارب بدلاً عنهم في بلادهم، هذا غير منطقي ويجب إعادة جميع السوريين إلى سوريا وهناك (كل من زرع شوكاً سيقتلعه بيديه فقط)» وفق قول متين، وهو يعبر عن وجهة نظرة يتبناها معظم العلويين في انطاكيا التركية، الذين ينتمي لطائفتهم الدينية الرئيس السوري بشار الأسد.

استغلال للمشاكل

وجاءت هذه التحذيرات بعد سلسلة لقطات أظهرت شجارات قام بها سوريون (بين بعضهم) البعض في ولايات تركية عدة، حيث كانت أولى المشاكل التي أثارت الأتراك على اللاجئين السوريين في حي (اسنيورت) بولاية اسطنبول التركية عندما نشب شجار بين شبان سوريين وصاحب محل لبيع اللحم بسبب الخلاف على مبلغ 300 ليرة تركية وفق ما قيل، حيث استخدم خلال الشجار أسلحة حادة كالسكاكين والسواطير إضافة لأشياء أخرى كانت موجودة مكان الشجار، فيما كانت المشكلة الثانية التي تخللها ضرب بالألواح الخشبية والأيادي أيضاً في حي إسنيورت في ذات الولاية، ليعقبها مشهد آخر لشجار جديد نشب بين سوريين في ولاية مرسين واستخدمت فيه السكاكين أيضاً.

واستغل الإعلام التركي هذه المشاهد ليشن هجوماً واسعاً على السوريين بصيغة التعميم، حيث ذكرت بعض مصادر الإعلام التركي الخبر كحادثة، فيما كان تعليق بعض المصادر تحريضياً ويدعو لـ»إعادة جميع السوريين إلى بلادهم» بعناوين تصف السوريين بـ «عديمي الاحترام للدولة التي استضافتهم» وغيرها من العبارات التي اعتادت المعارضة التركية استخدامها في كل المناسبات للنيل من السوريين ووجودهم في تركيا.

ترحيل 300

ووفقاً لعمار وردياني الناشط السوري في أنطاكيا التركية، فإن بعض فئات الشعب التركي وعلى رأسهم (القرباط والجنكل) بدأوا باستثارة المشاكل مع السوريين بشكل متعمد بهدف وضع (نقاط سوداء) في سجلات أكبر عدد من السوريين وبالتالي سيؤدي ذلك لترحيلهم، مشيراً إلى أنه جرى ترحيل ما يقارب نحو 300 سوري منذ شهر وحتى الآن وجميعهم تم ترحيلهم عبر أمنيات أنطاكيا (نارليجا) ومن ثم جرى تخريجهم عبر معبر باب الهوى الحدودي. ويشير وردياني إلى أن «أغلب الذين جرى ترحيلهم لا يملكون (كملك)، في وقت تمتنع فيه عشرات الولايات عن منح الكملك للسوريين الذي يعتبر الورقة الوحيدة التي تتيح للسوريين التواجد على الأراضي التركية بصفة (لاجئ)».

مصدر القدس العربي