التوترات بين السوريين والأتراك.. الأسباب والحلول المقترحة

جاءت الاعتداءات التي قام بها متظاهرون أتراك في حي “إيكي تلي” في مدينة إسطنبول التركية على ممتلكات ومحلات تتبع لسوريين لتسلط الضوء على تصاعد تدريجي في حالة التوتر بين الأتراك والسوريين، حيث إن تركيا تستضيف أكثر من 3.5 مليون سوري على أراضيها بموجب قانون “الحماية المؤقتة”.

واعتاد السوريون خلال الأعوام الأخيرة أن يتصدروا واجهة الأحداث مع اقتراب جولة جديدة من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية، حيث يتم استخدامهم في سياق الدعاية الانتخابية، لكن يبدو أن هذه الدعاية تركت رسائل سلبية لدى الأتراك عن التواجد السوري في بلادهم.

أسباب تصاعُد التوتر

رأى الباحث والمحاضر في الشأن التركي الدكتور “سعيد وليد الحاج” أن رفض الأحزاب وبعض شرائح الشعب التركي للوجود السوري كان في سنواته الأولى سياسياً فقط، بمعنى أنه جاء من باب الاصطفاف مع النظام السوري ومناكفةً لحزب العدالة والتنمية، لكنه أخذ خلال السنوات الثلاث الأخيرة بالتحول إلى رفض مجتمعي واحتكاكات مباشرة، بسبب عوامل وأسباب مستجدة.

وحول أسباب المشكلة قال “الحاج” في حديث لـ”نداء سوريا”: هناك عوامل جديدة أدت لتطور المشكلة أهمها الأزمة الاقتصادية في تركيا، وما انتشر لدى بعض الأتراك من أن السوريين ينافسونهم في لقمة عيشهم وأعمالهم ودعم الحكومة لهم، وكذلك التدخل التركي العسكري في سوريا، والانطباع المنتشر بأن جيشهم يقاتل وجنودهم يُقْتَلون في سوريا لأجل السوريين.

وأضاف: “من أسباب الظاهرة أيضاً أن هناك خطاباً سياسياً صوَّر السوريين كخطر أو مهدد للأتراك اجتماعياً واقتصادياً وأمنياً، كما ثمة أخطاء تركية بالتعامل مع ملف اللاجئين السوريين بما في ذلك التوزيع الجغرافي للسوريين، وضعف عملية الاندماج وتعلم اللغة والثقافة حتى لدى المجنسين”.

وأشار إلى وجود ما وصفه بـ”تقصير المؤسسات السورية في عمومها في تواصلها مع السوريين”، بالإضافة إلى “أخطاء فردية ولكن متكررة من بعض السوريين، بعضها يستفز بالضرورة مشاعر الأتراك بسبب انتهاكه الواضح لبعض عاداتهم وتقاليدهم المجتمعية”.

الحلول

وبما يخص الحلول المقترحة من أجل تخفيف التوترات الحاصلة قال “الحاج”: “هناك مسؤوليات على المؤسسات السورية المختلفة: السياسية والاجتماعية والثقافية، برفع مستوى الوعي لدى السوريين بالمشكلة ومخاطرها المستقبلية المحتملة، وبالتالي تعديل بعض السلوكيات من خلال التعريف بثقافة المجتمع التركي، وعلى المؤسسات السياسية تحديداً مسؤولية مضاعفة تشمل التواصل مع الجانب التركي الرسمي لتنسيق الجهود، ولأنه لا يوجد مؤسسة أو طرف سوري قادر على الوصول والتواصل مع مختلف الشرائح السورية الموجودة على الأراضي التركية، ينبغي أن يكون هناك عمل جمعي منسق بين مختلف المؤسسات يحمل رؤية موحدة وأهدافاً واضحة، ويعمل بالتنسيق مع الجانب التركي الذي يمكن أن يقدم له تسهيلات كثيرة تعين على إيصال الرسالة”.

وذهب إلى القول بوجود “مسؤوليات شخصية على السوريين كأفراد تشمل: زيادة مستوى الوعي والتواصل الإيجابي مع المجتمع التركي، وتصدير صورة إيجابية عن الوجود السوري، والالتزام قدر الإمكان بالعادات والتقاليد التركية وعدم التناقض معها بشكل صارخ”.

وأضاف: “ولأن الأخطاء ليست ولن تكون يوماً مبرراً مقبولاً للتحريض والاعتداءات، ولأننا لن نصل يوماً لمستوى صفر من الأخطاء، فإن المسؤولية الأساسية في هذا الملف تقع على الجانب التركي، خصوصاً الحكومة، وهذا يشمل: تطبيق القانون على المحرضين وناشري خطاب الكراهية ومن شاركوا في عمليات اعتداء، وهذا للأمانة يحصل وحصل في الحادثة الأخيرة، وتصحيح المعلومات المغلوطة حول الوجود السوري بين الأتراك، وهذا يتطلب تكاتف جهود الحكومة مع المجتمع المدني مع الناشطين الأتراك، ولعل من أهم ما ينبغي تصويبه وترسيخه أن الجيش التركي موجود في سوريا لأهداف تتعلق بالأمن التركي وليس من أجل السوريين، التحول بسرعة من خطاب ما قدمت تركيا للسوريين بغض النظر عن مدى دقته إلى خطاب أكثر اعتدالاً ودقة يشمل ما تقدمه المؤسسات الدولية خصوصاً الاتحاد الأوروبي للسوريين، والكف تماماً عن الخطاب الذي يركز على السوريين كأحد المخاطر التي تهدد تركيا وأهل إسطنبول خصوصاً، تناول ملف السوريين خصوصاً المجنسين منهم بحرفية أكثر تشمل تأهيلهم للاندماج في المجتمع التركي، مثل اشتراط تعلم مستوى معين من اللغة وإعطائهم دورات تثقيفية عن تركيا تاريخاً وجغرافيا وثقافة، ضبط السياسة التحريرية لوسائل الإعلام التركية فيما يخص السوريين وعدم التركيز على السلبيات وإنما الإيجابيات، على الأقل مرحلياً”.

وختم بقوله: “من المهم الإشارة إلى أهمية التخاطب والحوار بين الطرفين، ولكنني أعتقد أن الأمر سيكون أهدأ وأضمن وأفيد إن حصل من خلال مؤسسات وليس عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، فمن تجربة شخصية ومن مشاهداتي، الخطاب عبر وسائل التواصل يزيد من حدة الموقف ولا يحله، ولا يبدو الطرف المحتقن مستعداً لأن يسمع أيّ كلام من الطرف الآخر مهما كان هادئاً أو عقلانياً، بخلاف الخطاب المُوَجَّه له من أتراك”.

نصائح مهمة للسوريين في تركيا

وجَّه مصدر أمني تركي بعض النصائح المهمة للسوريين المتواجدين على الأراضي التركية من أجل تفادي الصدامات المباشرة.

وقال المصدر -الذي طلب عدم ذكر اسمه- في تصريح لـ”نداء سوريا”: “الأمن التركي يقوم بمتابعة أيّ عملية تحريض ضد السوريين أو الضيوف على الأراضي التركية على العموم، لكن من المهم أن يتجنب السوريون بعض الأفعال التي قد تؤدي لحصول صدامات مع المجتمع التركي”.

ومن الأفعال التي نصح المصدر الأمني بتجنبها المجاهرة بالموقف السياسي سواء المتعلق بالأحداث في سوريا أو الأوضاع في تركيا في الأماكن العامة؛ تجنباً لعدم استفزاز الشرائح التي تخالفه بالرأي، بالإضافة إلى عدم التجمهر والتجمع عند وقوع المشاجرات والمشادات سواء بين السوريين أو الأتراك حتى لا يصبحوا طرفاً بالمشكلة”.

ونبَّه المصدر على ضرورة احترام عادات وتقاليد المجتمع التركي وعدم ممارسة ما يدل على تحديها، كرفع أصوات المسجلات إلى حد مزعج خاصةً في أوقات الراحة وفي الطرقات العامة، وغير ذلك من الأشياء التي لا تدل على احترام ثقافة المجتمع العامة”.

 

وكان الأمن العام في إسطنبول قد اعتقل خلال الأيام الماضية 116 شخصاً على خلفية أحداث حي “إيكي تيلي”، ليقوم لاحقاً بتحويل 13 شخصاً إلى القضاء، مبيناً أن ما حصل كان مخططاً له مسبقاً وجرى التنسيق له عبر مجموعة في تطبيق “واتس آب” قبل النزول إلى الشوارع.

مصدر نداء سوريا