الإعلام السوري الرسمي “يحلل” الاتفاق الأميركي التركي.. بالخُرافات!

تخبطت تغطية الإعلام الرسمي السوري تجاه الأنباء الأخيرة عن الاتفاق الأميركي – التركي الرامي إلى إقامة مركز عمليات مشتركة لشمال سوريا، قد يؤسس لإنشاء منطقة آمنة شمال البلاد. فرغم ثنائية الاتفاق بين دولتين، إلا أن التعامل معه في صحف النظام وقنواته التلفزيونية، أتى أحادياً، بالنظر إليه أولاً كمشروع أميركي بحت، قبل التراجع عن ذلك لصالح رؤيته كمخطط تركي يطارد حلم “الخلافة العثمانية”.

ونشرت الصحف الرسمية مقالات تحدثت عن الاتفاق بأنه خطة أميركية لتبرير الوجود العسكري الأميركي في شمال شرقي البلاد، بما في ذلك مقال في صحيفة “الثورة” المحلية، ربط بين الاتفاق من جهة وبين إعلان وزارة الدفاع الأميركية “بنتاغون” أن تنظيم “داعش” يعاود الظهور في سوريا وعزز قدراته في العراق. وهو تفسير انتقل بدوره إلى الشاشات الرسمية في الحوارات مع محليين تابعين للنظام وأعضاء في مجلس الشعب.

اللافت هنا، أن بعض تلك المقالات، بما في ذلك المقال اللافت في صحيفة “الثورة” والذي حمل عنوان “واشنطن تروج لعودة داعش لتبرير وجود قواتها المحتلة في سورية”، حذفت لاحقاً، مع تغير في نبرة القنوات التلفزيونية أيضاً. وبدا واضحاً وجود توجيهات رسمية من المستشارين الإعلاميين للقصر الجمهوري عبر وزارة الإعلام، لوسائل الإعلام، بتركيز التغطية على الجانب التركي فقط.

وربما يعود ذلك إلى نبرة الاستخفاف التي ينتهجها النظام وإعلامه تجاه الولايات المتحدة، بالتقليل من حجمها كقوة عظمى، أمام الجمهور المحلي. وهو أسلوب متكرر منذ انتخاب دونالد ترامب رئيساً للبيت الأبيض العام 2016، بوصفه “مهرجاً” أمام مخضرمي السياسة ضمن نظام الأسد أو لدى الحليف الروسي. وتجلى هذا الخطاب هذه المرة، بالقول أن تركيا تتلاعب مجدداً بـ”ربيبتها واشنطن”، مثلما تلاعبت بها في صفقة الصواريخ الروسية، والإيحاء بوجود عجز أميركي إلى حد اللهث وراء استرضاء تركيا من أجل محاولة الحفاظ على العلاقات الأطلسية ضمن حلف شمال الأطلسي “ناتو”.

ووفق التوجيهات الجديدة، فسر إعلام النظام، بشكل كوميدي، مشروع المنطقة الآمنة بأنه محاولة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلهاء جيشه “الوطني” و”الشريف” الذي يرغب في إجراء انقلاب عسكري حاسم ضده، بزجه في مغامرات عسكرية خارجية. وليس مهماً هنا، بحسب “الإخبارية السورية”، أن تنجح تلك المحاولة أو تفشل بالنسبة لأردوغان، بل المهم فقط هو توفير الوقت له كي يعتقل ما تبقى من المعارضين له في الداخل التركي.

وبغض النظر عن حالات تراجع الحريات السياسية والصحافية في تركيا، إلا أن ذلك قضية منفصلة تماماً عن السياق، ومن المسلي فعلاً هنا، متابعة إعلاميي النظام وهم يتحدثون عن قيم “الحرية والديموقراطية” المتوافرة في “سوريا الأسد” مقارنة بتركيا “الأردوغانية”، في حين يُعتبر النظام السوري مثالاً معيارياً على القمع الوحشي منذ عقود، لدرجة يحلم معها أي نظام شمولي ناشئ في المنطقة أو العالم بالتماهي معه والاقتداء بأساليبه الظلامية.

والحال أن تفسير الرغبة التركية في إنشاء منطقة آمنة شمال سوريا، لم يذكر مطلقاً المخاوف التركية من أكراد سوريا المدعومين من الولايات المتحدة، والذين تقول أنقرة أنهم مرتبطون بحزب العمال الكردستاني الذي يشن تمرداً جنوبي البلاد منذ عقود والمصنف كجماعة إرهابية في تركيا والولايات المتحدة. بل كان التفسير بأنها محاولة لاستعادة أمجاد الدولة العثمانية والرغبة في الاعتداء على دولة ذات سيادة، وبأنها جزء من سلوك يناقض الاتفاقات الدولية مع “الشركاء الموثوقين”، أي تركيا وإيران ضمن اتفاقات أستانة.

وأشارت التحليلات الرسمية إلى أن تركيا هنا، كانت تخطط منذ زمن بعيد لـ”سلخ أجزاء من سوريا” وضمها إلى تركيا، مثلما حصل في قضية لواء اسكندرون، ومن أجل ذلك قامت تركيا باحتضان اللاجئين السوريين الذين “غررت بهم” و”خدعتهم” لتنفيذ “مؤامرتها”، حيث تسعى اليوم إلى إقامة المنطقة الآمنة ونقلهم إليها، لتأسيس “كانتون” تابع لتركيا شمال البلاد يؤسس لمطالبة باستفتاء حول الانفصال عن “الوطن الأم سورية” (بالتاء المربوطة).

وكان الحل السحري الذي اقترحه إعلام النظام، بشكل محدود، ونقله إعلاميون تابعون له في مواقع التواصل الاجتماعي، هو إسقاط الجنسية السورية عن السوريين الذين تم تجنسيهم في تركيا، وهو الرأي الذي لمّح إليه أعضاء في مجلس الشعب أيضاً، حيث وصف اللاجئون السوريون في تركيا بأنهم قنبلة موقوتة في وجه وحدة الأراضي السورية.

ويجب القول أن التغطية الرسمية، امتازت بشيء من العجرفة، وهي خاصية تزداد حدة حتى في خطاب النظام الدبلوماسي، مع شعور النظام بـ”فائض القوة” عطفاً على فكرته حول “انتصاره” في الحرب السورية. يقول مذيع “الإخبارية” صفوان علي، على سبيل المثال، أن أكبر مثال للصمود في التاريخ كان طروادة التي صمدت سبع سنوات، وسوريا تجاوزت ذلك. ويربط تلك المقولة “البراقة” مع فكرة تغلب السوريين على مخططات التقسيم والانفصال، لأن “الاحتلال التركي” لا يدرك الكره الشعبي له، بحسب تعبيره.

وفيما كان إعلام النظام في السابق، عند طرح أي مبادرات مشابهة، يعمد إلى إثبات السيادة السورية بإجراء بث مباشر أو إرسال مراسليه إلى مناطق في الشمال السوري، مثل منبج على سبيل المثال، إلا أنه تجاوز ذلك في خطابه اليوم أمام جمهوره المحلي، باعتباره السيادة السورية أمراً مفروغاً منه، رغم أن تلك السيادة غير موجودة أصلاً مع تحول البلاد إلى مجرد وكيل للحلفاء الأجانب، الروس والإيرانيين، لا أكثر.

وربما يعتقد إعلام النظام أنه لا حاجة للقيام بمثل هذه المبادرات، لأن “القيادة الحكيمة” ردت على التكتيكات التركية “بقراءة واقعية”، تتمثل في “عودة الخيار العسكري”، لأن قصف إدلب هو “رسالة لفرض واقع سياسي” حسب تعبير صحيفة “الوطن”.

مصدر المدن