“آيس كريم” نعم.. سوخوي / إدلب ليس بعد

د. سمير صالحة – تلفزيون سوريا

توجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على عجل إلى موسكو للقاء نظيره الروسي فلادمير بوتين وبحث موضوع مسار العلاقات المشتركة بين البلدين وخطط التسلح التركي الجديدة، والتطورات الأمنية والسياسية المتلاحقة في إدلب وجوارها والتي أطاحت بكل الاتفاقيات الثنائية والثلاثية بين تركيا وروسيا وإيران.

بين نتائج اللقاء الفورية على صعيد العلاقات التركية الروسية إعلان الرئيس أردوغان أن بلاده قد تشتري طائرات عسكرية روسية من طراز “سوخوي”، بعدما تم استبعاد تركيا عن مشروع المقاتلة إف 35 الغربية . “إذا واصلت الولايات المتحدة توجّهها بالنسبة إلى مسألة مقاتلات إف-35، سنتدبّر أمرنا. هل سنشتري سوخوي-35؟ أم إف-35؟ أم سوخوي-57؟ . أنقرة وعلى أعلى المستويات تردد أن “تركيا لديها بدائل لإيجاد موردين جدد للسلاح، إذا تم استبعادها من المشاريع الدولية التي تقودها الولايات المتحدة، وإذا رفض بيعها أسلحة أميركية”.

تركيا ليست حليفا استراتيجيا لروسيا . ولا يمكن حتى الحديث عن شراكة استراتيجية بين البلدين رغم كل العقود والتفاهمات التجارية وخطط الطاقة الإقليمية والمشاريع الإنمائية العملاقة بالتنسيق مع الصين في العقد المقبل. شراء أنقرة لصواريخ إس 400 وترك الأبواب مشرعة أمام ابتياع المقاتلة الروسية المتطورة سوخوي- 57 سيقربهما أكثر فأكثر من بعضهما البعض. لكن تبديل خريطة التحالفات الاستراتيجية التركية مسألة تحتاج إلى نقاشات سياسية استراتيجية داخلية مفصلة ومطولة .

القضية لا تتعلق برغبة تركيا بتحديث وتنويع ترسانتها أو البحث عن مصادر تسلح خارج الدائرة الغربية. الشراكات الاستراتيجية لها موجباتها وأهدافها وإمكاناتها وتحمل الأعباء السياسية والاستراتيجية لقرار من هذا النوع.

بوتين قد يساوم أنقرة على السوخوي لكن خطوة من هذا النوع من قبل الأتراك تعني تعقيد الأمور أكثر فأكثر مع واشنطن الغاضبة أصلا من صفقة الصواريخ الروسية والعواصم الغربية التي فتحت الأبواب على وسعها منذ عقود أمام تركيا لتلتحق بالمنظمات والتفاهمات السياسية والعسكرية للغرب.

الأزمة الحقيقية ستكون بين تركيا وحليفها الأطلسي الذي حاول أن يبقى على الحياد في الأزمة التركية الأميركية ولكنه هذه المرة سيتخذ حتما موقفا مغايرا ويقول كلاما يختلف عما قاله قبل أشهر. صواريخ روسية ثم طائرات متطورة روسية في منظومة تركيا الدفاعية التي أُسست على نمط غربي أطلسي فيها كثير من التحدي والاستفزاز .

تبني سياسة تنويع مصادر التسلح التركي شيء واستخدام السلاح الاستراتيجي الروسي على جبهات القتال التركية شيء آخر.

أنقرة تغامر في رفع مستوى التودد ونسبة الغزل في علاقاتها مع روسيا لتغيظ واشنطن وبعض العواصم الغربية. لكن حسابات طريقة الرد الغربي وتأثيره على المصالح التركية مع هذه العواصم لا يمكن الاستخفاف به أو تجاهله بمثل هذه البساطة. واشنطن سحبت عرض بيع تركيا صواريخ الباتريوت لأن أنقرة تريد الذهاب بمنحى آخر. أنقرة التي اعتمدت سياسة الشراكة مع الغرب دون إغضاب الشرق ستجد صعوبة في الانتقال إلى الشراكة مع الشرق دون إغضاب الغرب.

بوتين يريد التقريب مثلا بين أنقرة ودمشق لأن حساباته ومصالحه في سوريا تتطلب ذلك. لكن لا يهمه إطلاقا لعب أي دور في المصالحة التركية الإسرائيلية أو التركية اليونانية أو التوتر التركي المصري إذا لم نقل أن العكس هو الصحيح.

الهدف الثاني للقمة التركية الروسية كان موضوع إدلب الذي نوقش مطولا وراء الأبواب وبكل تعقيداته وتفاعلاته. باستثناء حفاوة الاستقبال والوداع والتقاط الصور أمام عربة بائعة البوظة والمقاتلة سوخوي 57، لم نر أية نتائج لتفاهمات تركية روسية حقيقية تقطع الطريق على الانفجار الأكبر في إدلب. بعد الزيارة وعدت موسكو أن النظام سيلتزم من جانب واحد بوقف إطلاق النار على جبهات إدلب. موسكو هي التي تعلن ذلك وليس النظام. سبق وكان هناك تعهدات كثيرة مشابهة لم يلتزم النظام بها. بل كانت مجرد استراحة المحارب بالنسبة له قبل أن يعود ويواصل هجماته.

قبل يومين احتشد مئات السوريين أمام معبر باب الهوى الحدودي التركي السوري بهدف توجيه الرسائل لأنقرة بضرورة توسيع رقعة تحركاتها واتصالاتها لوقف الهجمات التي تشنها قوات النظام ضد بلدات إدلب وجوارها أو فتح الحدود أمام الراغبين بدخول الأراضي التركية هربا من القصف والموت.

منذ يومين أيضا بدأت أقلام وأصوات كثيرة في صفوف الإعلام التركي المعارض تتحدث بأريحية حول أعباء وأخطار الملف السوري على تركيا في الداخل والخارج. بعضها يبدي استعداده للعب دور الوساطة بين أنقرة ودمشق وبعضها الآخر يتحدث عن ضرورة تنظيم مؤتمر إقليمي عاجل حول سياسة تركيا السورية وضرورات مراجعتها بشكل جذري. قيادات العدالة والتنمية تردد أن لا تبدل في مواقفها وتحالفاتها وسياستها السورية لكن الفصائل تفقد يوما بعد آخر مزيدا من الأراضي الواقعة تحت سيطرتها والنظام يهدد نقاط المراقبة العسكرية التركية وموسكو تقول إنها الضامن لسلامة الجنود الأتراك بما يتعارض كليا مع نص وروح تفاهمات الأستانا وسوتشي. عملية خلط الأوراق مجددا ستتم شئنا أم أبينا. متى سيتم ذلك قبل القمة الثلاثية المرتقبة في تركيا للدول الضامنة في الأستانا أم بعد القمة؟

بوتين يتحدث عن تفاهمات إضافية بينه وبين أردوغان لكننا لا نعرف بعد ما الذي يقصده؟ هل الهدف هو تأمين الحماية لنقاط المراقبة التركية المنتشرة في إدلب؟ هل ستقبل أنقرة بمواصلة العمليات العسكرية ضد الفصائل ولعب ورقة المدنيين واللجوء على هذا النحو في علاقاتها مع قوى المعارضة؟ بالأمس كانت التظاهرات والتجمعات أمام معبر باب الهوى لكن التصعيد المتواصل قد يعقد الأمور أكثر فأكثر ويدفع بالشراكة الاستراتيجية بين أنقرة والفصائل بالتراجع لصالح شراكات محلية وإقليمية أخرى.

ملف الأزمة السورية بكل تفاصيله وتشعباته يعقد الأمور أكثر فأكثر بين أنقرة وموسكو. النظام يحظى بدعم روسي كامل لمواصلة عملياته العسكرية في إدلب، وهو يقول إنه سيسترد المناطق هناك بأكملها لإعادتها إلى سلطة الدولة. ما يفعله ويلوح به يوميا يتعارض مع نصوص تفاهمات الأستانا وسوتشي. فما الذي ستفعله القمة الثلاثية المرتقبة في تركيا بعد أسبوعين؟

هو توتر تركي روسي متزايد في إدلب والملف السوري يحاول بوتين الالتفاف عليه بقرطاس بوظة أو تسهيل التقاط الصور التذكارية أمام المقاتلة الروسية سوخوي عن قرب.